مقالات

العالم الإفتراضي

بقلم عزة مصطفى كسبر

في زمن التكنولوجيا وتطور وسائل الإتصال ، ما عادت المسافات عذراً للقطيعة ، بل صارت هذه الوسائل شاهداً علينا ، و دليلاً قاطعاً يديننا أمام أنفسنا أولاً ، وأمام من غبنا و إنشغلنا عنهم بها، صرنا في هذا الزمن أقرب للبعيد عن العين،وأبعد عن عين القريب منا، شغلتنا التكنولوجيا، ونسينا معها واجباتنا أمام أقرب الناس إلينا ،فقبل أن تغزونا وسائل التواصل الإجتماعي كنا نقضي وقتنا بين الكتب والروايات ، ومع قصص الجدات واللهو والمرح مع الصديقات ، وزيارة الأهل والأقارب ،كنا فيها اقرب لبعض من وسائل بدل أن تجمعنا فرقتنا عن بعض ،صار تعاملنا مع هذه الوسائل خال من كل مشاعر وأحاسيس،.فقد ترسل رسالة فرح وقلبك موجوع، وقد تبعث رسالة تعازي وأنت جالس في حفل بهيج ،
فما احوجنا لزمان كانت تقرأ فيه الرسائل في العيون وعلى وجوه المحبين، و كانت العلاقات فيه أكثر تناغماً ،والمشاعر صادقة وخالية من كل تزييف

العالم الإفتراضي ، فرض سلطته قسرا علينا، استغل فراغنا، ضعفنا، هشاشاتنا، ونقاط ضعفنا، فملأ فضاءاته بمانهوى، لكي نظل كالفراشات تائهين من زهرة ٱلى أخرى، وما شربنا من رحيق فتنتها إلا قيودا ،ومتاهات غير متناهية، ووما ارتوينا، لا يزيدنا به إلا تعلقا واحتفاءا..فطوبى لمن عرف كيف يستحكم في وقته ، ويتيه في روض الصالحين، وينهل من معارف المكرمين، ليزداد بها قربا لله، لا بعدا.أنه عالم التناقضات. عالم قطع المسافات وقطع الأرحام. عالم الفضيلة والرذيلة.
عالم الثواب والعقاب. عالم الغائبين الحاضرين.أبتلعنا العالم الأفتراضي

عالم الجريمة والعقاب. عالم الدروس المدفوعة الثمن.الاكيد حياة بعض البشر في العالم الافتراضي اصبحت أهم بكثير من حياتهم الفعلية على أرض الواقع لكن المهم اننا هنا في هذا العالم اصدقاء يجمعنا الود والاحترام جمعنا القدر بأشخاص من مشارق الأرض ومغاربها .. نعلم أننا ربما لن نلتقي بهم و‏ثمَّة حياة مُختلفة،بألوانها الحقيَّقة،تقبع على. مسافة قصيرة مِنَّا.. إن تمكنَّا من الضغط على. كبسة إطفاء. والعالم الإفتراضي.ثمَّة حب،خناقات،ضحكات،دمُوع. و مشاعر
لا تعبر عنها وسائل إفتراضيَّة.ثمّة عائلة ،وأصدقاء. واكتفينا بذاك القدر من الألفة التي ربطت بيننا ..أكتفينا بتلك الصورة الجميلة التي رسمها خيالنا لهم وان لم تكن واقعية مئة بالمئة..

لم يسرقنا عالم النت فقط بل سرقتنا الحياة بما فيها سرقنا حبنا وتعلقنا بكل المعاني والقيّم والمفردات ، بكل من حولنا من الوطن إلى الأحباب إلى قضايا إنسانية ضاع فيها حبل النجاة ودروب تاهت نواهيها، لم يكُن النت لصاً محترف يأخذنا من أحد بل كان وطن محاط صغير على التعبير لرُبّما وكبير فيما جمعنا من أصدقاء يقولون عنهم وهميّون في عالم إفتراضي لا أدرى كم أجد الوصف ظالم ؟؟؟!!! بعدما تحولت العلاقات المجتمعية من صداقة ورفقة عمر إلى مصالح حتى في التحية، بينما نلتقي بتحيتك الصباحية بكل ود ومئات ممن عرفناهم في هذا العالم الوهمي الواسع على حد قولهم …النت أخذنا إلى مدى أوسع وأخرجنا من بوتقة كادت تضيق علينا بشيء من الخذلان في البعض فأصبحنا في عالم أضعف الإيمان يتسع كما تريد أو يضيق كما تود يعطيك معرفة وفائدة مقابل وقت بينما أضعت سنين لرُبّما كآنت عند الغالبية سراب وذكريات أصبحت تحمل بين طياتها ألم الوقت…

نحن لم نعُد نقوى على الغياب في الحضور ولا على الخذلان ولا الغدر لأننا نبحث عن باقي الوقت وكفانا ضياع مع الزمان والمكان والغير … الغير مناسب كفانا لجوء في مواقع لا نحبها ولم تكُن لنا يوماً ففيها فقط أضعنا الوقت ففيها فقط سُرقنا من أجمل معانينا دون أن ندري…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Open chat